حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

420

التمييز

والمؤمن قادم على ربّه فاقتضت الحكمة أن يكون نظيفا سالما من / 204 أ / الأحداث ، فمن أراد النجاة يوم الدّين ، سلك سبيل المتقين ، ونزّه نفسه عن معاصي اللّه التي بها يكون من الهالكين ، والكيّس من سعد بجميل نظر اللّه فأعطي النّور الزائد على نور الموحدين وهو نور اليقين . وأهل اليقين قد استعدوا للقائه والعرض عليه ، وقال له عقله ستساق إلى ما أنت لاق ، وعلم أنّ الموت عاقبة أمور الدّنيا واجتنب الشهوات ورفض المنى ، وكان راضيا بما قسم له وقدّر عليه حامدا شاكرا لمن أخرجه من العدم إلى الوجود ، طالبا للزيادة على ما أعطي من العلم والعمل إلى منتهى الأجل . قال اللّه تعالى أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ « 1 » ، روي أنه لما سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن علامته في الظّاهر حتّى نعرف أنّه من هذه الطبقة فذكر ثلاث خصال . فقال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت . قال أبو عبد اللّه الترمذي في نوادر الأصول : أما الإنابة إلى دار الخلود فهي أعمال البرّ ، لأنّ دار الخلود إنّما وضعت جزاء لاعمال البرّ ، فإذا انكمش في أعمال البرّ فهو إنابته إلى دار الخلود ، وإذا خمد حرصه على الدّنيا ولهى عن طلبها وأقبل على ما يعنيه منها فاكتفى به وقنع فقد تجافى عن دار الغرور « 2 » . وإذا أحكم أموره / 204 ب / بالتقوي ، وكان ناظرا في كلّ أمر واقفا متأنيا متثبتا حذرا يتورّع عمّا يريبه إلى ما لا يريبه فقد استعدّ للموت قبل نزول الموت ، فهذه علامتهم في الظّاهر وإنّما صاروا هكذا لرؤية صرف الآخرة على الدّنيا ورؤية الدّنيا أنّها دار الغرور ورؤية الموت أنه قدرا مقدورا ، ولا لشيء من الدّنيا قدرا معه ، وإنّما صارت له هذه الرؤية بالنّور الذي ولج القلب . والغرور هو أن يرى المرء أمور الدّنيا في مبادئها قائمة على وفق السّداد ، والأحوال في تأتّيها جارية على حسب المراد فيظنّ أنّ هذه حالة واجبة الاطّراد ، لازمة الاستمرار بلا انقطاع ولا نفاد ، فيغترّ بذلك ويهمل الاستعداد ،

--> ( 1 ) سورة الزمر : آية ( 22 ) . ( 2 ) نوادر الأصول ، 58 أ .